ملا نعيما العرفي الطالقاني

173

منهج الرشاد في معرفة المعاد

وبالجملة ، فهذا القاسر الجامع الحافظ ، هو نفس المولود التي هي واحدة بالذات ، مختلفة باعتبار القوى والآثار والأفعال والكمالات . ويصدر عنها في كلّ حالة من حالاتها الجمع والحفظ معا ، ما سوى مرتبة كون تلك القوّة بحيث لا تسمّى نفسا ، بل صورة منويّة ، فإنّ فعلها في تلك المرتبة ، إنّما هو حفظ مزاج المنيّ كالصورة المعدنيّة لا الجمع ، حيث إنّ الجامع للأجزاء الغذائية التي يتبع جمعها المزاج المنويّ ، إنّما هو نفس الأبوين لا نفس المولود . وليس في ذلك تفويض أحد الفاعلين الطبيعيّين من حيث فعلهما الطبيعي تدبيره إلى الآخر ، كما أشرنا إليه ، أي من جهة أنّ الجمع والحفظ وإن كان كلاهما فعلين طبيعيّين ، والمفروض أنّ نفس الأبوين فوّضت الحفظ إلى نفس المولود . إلّا أنّه ليس فيه تفويض نفس الأبوين فعلها الخاصّ بها إلى نفس المولود ، حيث إنّ فعل نفس الأبوين إنّما هو الجمع ، وهي لم تفوّضه إلى نفس المولود بل الصادر من نفس المولود في تلك المرتبة إنّما هو الحفظ خاصّة دون الجمع ، فتبصّر . ثمّ إنّه عند حدوث المزاج المنويّ تستعدّ تلك الأجزاء التي هي مادّة إنسان لحدوث نفس من المبدأ الفيّاض متعلّقة بها ، لا قائمة بها ، وبعبارة أخرى إنّه عند ذلك يستعدّ البدن لكون القوّة المتعلّقة به يتزايد كمالها بحيث تسمّى نفسا وهذه القوّة وهذه النفس وهي التي قلنا إنّها واحدة بالذات ، مختلفة باعتبار القوى والكمالات يصدر عنها الجمع والحفظ معا ، وبذلك يظهر معنى قول الشيخ : « إنّ المزاج والبدن علّة بالعرض للنفس ، » وعسى أن نأتي على زيادة إيضاح لهذا فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . وأمّا وجه الجمع بين ما ذكره في الشفاء في ذلك الاحتمال الثالث ، من أنّ فساد البدن إنّما يكون بسبب يخصّه من تغيّر المزاج والتركيب . وما نقلناه عنه في الكتابين ، من أنّ النفس جامعة لاسطقسات البدن وحافظة للبدن على النظام الذي ينبغي فلا يستولي عليه المغيّرات الخارجة ما دامت النفس موجودة فيه ، وأنّ الالتيام الواقع في أجزاء البدن إذا لحق جامعه وحافظه - أي علّته التي هي النفس - وهن أو عدم يتداعى إلى الانفكاك . فبيانه أنّ هذا الجمع والحفظ سواء كان متعلّقهما الأجزاء البدنيّة أو المزاج البدني حيث كانا فعلين حاصلين في مادّة يستدعيان فاعلا وقابلا وفاعلهما النفس ، كما دلّ عليه كلام